
هترضَي تكملي مع واحد عنده خمسين سنة؟
توردت وجنتاها، وأخفضت عينيها وهي تتمتم:
— كنت بهزر معاك على فكرة… أنت مش كبير ولا حاجة.
اقترب منها قليلًا، وقال بمشاكسة خفيفة:
— طويل، وأبو عضلات… مش كده؟
رفعت عينيها إليه سريعًا، ثم ارتبكت من قربه:
— عمران بيه… لو سمحت ابعد، مينفعش كده.
توقف فجأة، ونظر إليها بدهشة مصطنعة:
— عمران بيه؟!
ثم انفجر ضاحكًا، وأدار وجهه نحو نافذة السيارة.
ضيقت عينيها وهي تقول:
— بتضحك على إيه بقى؟
التفت إليها، وما زالت ابتسامته تملأ وجهه:
— فيه حد بيقول لجوزه المستقبلي “بيه”؟
اتسعت عيناها، وهمست دون وعي:
— جوزي؟
تأملها للحظة، ثم أومأ بثقة هادئة:
— أمال… فاكرة إني هقعد أحبك بس؟ لازم في الآخر تبقي مراتي.
— تحبني بس.
ضحك، وهز رأسه:
— وبعدين بقى؟ إنتِ هترددي كل كلمة بقولها ولا إيه؟ آه، بحبك وبس يا ستي.
ازدادت حمرة وجهها، وأشاحت بنظراتها إلى النافذة.
مد يده ورفع ذقنها برفق، حتى عادت عيناها إليه.
— لا… متبعديش عينيك عني. ومش عايزك تتكسفي مني. والأهم… بطلي كلمة “عمران بيه”. أنا عمران وبس.
ابتسمت بخجل:
— عمران وبس.
ابتسم ابتسامة … هادئة، دافئة، وكأنها لا تظهر إلا لها.
رفع يده، وأعاد خصلة صغيرة خرجت من حجابها إلى مكانها برفق.
— أي حاجة منك… عجباني.
نظرت إلى يده، ثم رفعت عينيها إليه.
لم تقول شيئًا.
لكن النظرات وحدها قالت ما عجز الاثنان عن قوله.
ابتعد عمران قليلًا، وتنحنح كأنه يحاول استعادة هدوئه، ثم قال:
— تحبي نلف شوية؟
التفت إليها:
— لو مش عندك حاجة، بلاش ترجعي البيت دلوقتي.
— معنديش… بس فريد ممكن يرجع ويقلق عليا.
شغّل السيارة وقال بهدوء:
— فريد مش هيرجع قبل عشرة، عنده شغل كتير.
قطبت جبينها:
— إزاي عشرة؟ هو بيروح خمسة!
تحرك بالسيارة دون أن يجيب.
نظرت إليه باستغراب:
— بقولك فريد بيرجع خمسة… الساعة دلوقتي تلاتة ونص.
التفت إليها للحظة، ومنحها غمزة صغيرة.
اتسعت عيناها:
— أوعى يكون اللي فهمته صح!
ابتسم وهو يعيد عينيه للطريق:
— ما أنا شوفتك عنده منهارة… كان لازم أصالحك.
نظرت إليه بدهشة:
— تصالحني؟
أومأ:
— مقدرتش أشوفك زعلانة وأسكت.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— بجد؟ يعني… أنت كنت مراقبني؟
تنهد بابتسامة:
— متعرفيش يا ليلى عملتي في عمران إيه.
التفتت إليه بفضول:
— عملت إيه؟
— مش فاهم.
— مش أنت بتقول “متعرفيش عملتي في عمران إيه”؟ عايزة أعرف عملت فيك إيه.
ابتسم، ثم قال بنبرة لا تقبل النقاش:
— قولي اسمي يا ليلى.
— ليه؟
— مش هتنازل عن دي.
ضحكت بخجل، ونظرت أمامها:
— خلاص بقى.
مد يده إليها، فظلت تنظر إلى كفه الممدودة بتردد.
قال بهدوء:
— إيدي وجعتني على فكرة.
ضحكت، ثم وضعت كفها في كفه.
شبك أصابعه بأصابعها، وقاد السيارة بيد واحدة.
وبعد لحظات، قالت:
— ممكن ترجعني البيت؟ مينفعش أتأخر بجد.
— حاضر، تؤمري.
ثم أضاف وهو ينظر إليها:
— بس اعملي حسابك… بكرة بعد الكلية هنخرج سوا. اعتبري اليوم بتاعك.
— بكرة؟ بس أنا مش هروح الكلية بكرة.
التفت إليها:
— ليه؟ عندك سكشن واحدة، مش هتحضري ليه؟
نظرت إليه بدهشة:
— إيه اللي عرفك؟
ابتسم وهو يركز عينيه في الطريق:
— عرفت حاجات كتير عنك يا حبيبي.
تجمدت للحظة.
الكلمة وحدها أربكتها.
حبيبي.
تورد وجهها بالكامل، وأدارت رأسها ناحية النافذة، بينما ضغط هو على كفها برفق.
ثم قال بصوت خافت:
— أنا عايز إيدك في إيدي دايمًا.
رفعت رأسها إليه، وترددت قبل أن تسأله:
— اوعدني… إنك متسبنيش.
توقفت السيارة أمام المبنى الذي تقطن به.
أطفأ المحرك، ثم التفت إليها بجسده كاملًا.
— مش هقدر.
نظرت إليه:
— يعني إيه؟
ابتسم بعينين امتلأتا بشيء أعمق من الكلام:
— إنتِ متعرفيش ليلى بالنسبة لعمران إيه.
اقتربت منه بنظرة طفولية صادقة:
— عايزة أعرف… ليلى بالنسبة لعمران إيه؟
لمعت عيناه، وقال بهدوء:
— نبض قلب عمران يا لولة.
ارتفعت نبضاتها حتى شعرت أنها ستفضحها.
سحبت كفها من يده برفق:
— هنزل.
أومأ، ثم قال:
— هكلمك بالليل… ردي عليا.
— حاضر.
استدارت لتفتح الباب، لكنه أوقفها:
— ليلى.
التفتت إليه:
— نعم؟
— لازم نقعد مع بعض ونتكلم في الأيام الجاية.
تغيرت ملامحها قليلًا:
— تقصد إيه؟
نظر إليها بجدية هذه المرة:
— أنا جاد جدًا في اللي بينا. لازم أتكلم مع فريد… وننزل لباباكي.
— بابا…
خرجت الكلمة منها مرتبكة، كأنها بدأت تستوعب أن الأمر لم يعد مجرد مشاعر وكلمات بينهما.
استدار إليها بكامل جسده، وأمسك كفيها بين يديه.
— أنا الأسبوع ده معرفش عدى عليا إزاي. وكل يوم بعيد عنك كان بيأكدلي حاجة واحدة… إني مش عايزك تبقي بعيدة عني.
سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر هدوءًا:
— وأنا مش صغير علشان أفضل أخرج معاكي في السر، ولا عايز علاقتنا تفضل معلقة بين الخوف والتردد. أنا عايز رابط رسمي يطمنك ويطمني.
نظرت إليه:
— بس أنا لسه قدامي سنين لحد ما أخلص.
ابتسم، وانحنى قليلًا حتى التقت عيناه بعينيها:



