
— تكمليها وإنتِ جنبي. وبعد امتحانات الترم… هتكوني مراتي.
اتسعت عيناها، وخرجت منها الكلمة دون تفكير:
— يالهوي يا عمران… مراتك؟
تجمد للحظة.
لم يكن بسبب كلمة “مراتك” وحدها…
بل لأنها نطقت اسمه مجردًا، بلا لقب، وبذلك الخجل الذي جعل قلبه يلين تمامًا.
ابتسم، وقال:
— أيوه يا قلب عمران… مراتي.
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
— ولولا إنك داخلة على امتحانات الأسبوع الجاي، كنت زماني دلوقتي عند باباكي.
اتسعت ابتسامتها، ثم سحبت كفيها من بين يديه وفتحت باب السيارة.
نزلت، وأغلقت الباب خلفها.
ظل يتابعها بعينيه حتى دلفت إلى المبنى واختفت عن أنظاره.
ظل ساكنًا للحظات، ثم أسند رأسه إلى مقعده، وأطلق زفرة طويلة.
ابتسم وحده.
— طفلة يا عمران…جابتك على جدور رقبتك
ثم هز رأسه وكأنه يلوم نفسه:
— عملت فيا ايه؟! ايه اللي فيها خلاك زي المراهق كدا
رفع نظره إلى المبنى، ثم قاد السيارة وعاد الى وجهته.
بالأعلى، عند ليلى…
دلفت إلى الداخل، وأغلقت الباب خلفها، ثم ألقت هاتفها فوق المقعد، وظلت للحظات واقفة مكانها وكأنها لا تصدق ما حدث.
ثم فجأة، بدأت تدور حول نفسها بسعادة، وضحكتها تملأ المكان.
— طلع بيحبني… بيحبني!
وضعت كفيها على وجهها من شدة خجلها، ثم عادت تدور حول نفسها وهي تضحك، قبل أن يقطع رنين هاتفها فرحتها.
توقفت، واتجهت إليه سريعًا، وما إن رأت الاسم حتى ابتسمت:
— فريد.
أجابت:
— أيوه يا فريد.
جاءها صوته من الطرف الآخر:
— حبيبتي، معلش هتأخر شوية… اتغدي إنتِ، ومتستنيش.
جلست على المقعد، وعقدت حاجبيها:
— يعني مش هتيجي خمسة؟
— عارف إنك تعبانة ومضايقة… آسف يا لولة. أنا كمان مرهق وعايز أروح أرتاح، بس عندي شغل كتير.
ابتسمت بهدوء:
— خلاص، ولا يهمك حبيبي.
أنهت المكالمة، وظلت للحظات تحدق في الهاتف.
ثم بدأت تقضم أظافرها بتوتر.
طيب… ليه فريد هيتأخر؟
هو فعلًا عنده شغل؟
ولا…
توقفت أفكارها فجأة، وكأن شيئًا ما عبر ذهنها.
عمران.
رفعت الهاتف، وظلت تنظر إلى رقمه للحظات مترددة.
أتتصل به؟
وبعد تردد طويل، ضغطت على زر الاتصال.
لم تمر سوى لحظات حتى جاءها صوته سريعًا:
— ليلى؟ فيه حاجة؟
توقفت لحظة.
اللهفة في صوته وحدها جعلت قلبها يبتسم.
— هو… مفيش. بس كنت عايزة أسألك، ليه فريد هيسهر؟ مش حضرتك قلت علشان توصلني؟
جاءها صوته وهو يقود سيارته:
— أولًا، مش اسمي حضرتك.
ضحكت بخفة.
— حاضر.
— ثانيًا، لسه مبلغتش مدحت يأجلوا الشغل لبكرة.
ثم سكت لحظة، وأضاف بنبرة مازحة:
— وأنا اللي فكرت إني وحشتك وبتتصلي تطمني عليا.
— وحشتني إيه؟ هو إحنا مش كنا مع بعض؟
ضحك:
— اقفلي يا ليلى…
بدل ما أغير رأيي وأرجعلك، وأعرفك يعني إيه تقوليلي “وحشتني”.
— خلاص، متزعلش.
صمت للحظات ثم جاء صوته أكثر هدوءًا:
— ليلى؟
— نعم؟
— لو احتجتي أي حاجة، مهما كانت، وفي أي وقت… اتصلي بيا فورًا
— الرقم اللي كلمتيني عليه ده رقمي الخاص… محدش معاه غيرك
رفرف قلبها بسعادة.
— يعني أفهم من كده إن الرقم ده مش مع حد خالص؟
ابتسم:
— لا يا حبيبتي… ده خاص بيكي. وأي حاجة تخصك، هتبقى بينا وبس.
ابتسمت دون أن يشعر بها:
— خلي بالك من نفسك.
ثم أضافت بخجل:
— وطمني عليك أول ما توصل.
ابتسم عند سماع كلماتها، وأطلق تنهيدة طويلة، قبل أن يناديها بصوت خافت:
— لولا…
استمعت إلى أنفاسه للحظات، ثم همست:
— نعم؟
صمت ثانية واحدة، وكأن الكلمة التي سيقولها أثقل من أن تمر عابرة.
ثم قال ببساطة:
— بحبك.
تجمدت في مكانها.. لم تجد كلمة واحدة ترد بها.
فقط أغلقت الهاتف بسرعة، ووضعت كفها فوق قلبها الذي لم يعد يعرف الهدوء.
وبعد لحظات، عاد الهاتف للرنين.
نظر إليه ب أجاب:
— ألو؟
:
— عمران بيه، لو فاضي تعدي على قسم الشرطة— تمام.
مر أسبوع كامل…
أسبوع كانت فيه الحياة بينهما هادئة بشكل لم تعتده ليلى.
لم يكن عمران يثقل عليها بمشاعره، ولم يحاول أن يشغلها عن امتحاناتها.
بل كان حاضرًا في التفاصيل الصغيرة.
يتصل بها ليلًا، يسألها عما ذاكرت، يستمع إلى شكواها من صعوبة بعض المواد، وأحيانًا يشرح لها درسًا لم تفهمه، بصبر رجل اعتاد أن يدير شركات كاملة، لكنه كان يتعامل معها وكأن امتحانها أهم شيء في العالم.
وفي إحدى الليالي، كانت مستلقية على فراشها، والنعاس يداعب جفنيها، بينما صوته يأتيها عبر الهاتف:
— ليلى، مش عايزك تتوتري. مهما كانت الامتحانات صعبة، إنتِ عملتي اللي عليكي.
تمتمت بنعاس:
— حاضر.
— والشهادة مش هي اللي هتحدد قيمتك عندي، فاهمة؟
ابتسمت وهي تغمض عينيها:
— فاهمة.
— يلا نامي، الصبح هتلاقيني في مكان كل يوم…
فتحت عينيها فجأة:
— لا… بلاش.
سكت لحظة:
— ليه؟
— فريد هيوصلني بكرة. هو متعود من أول ما بدأت تعليمي، أول يوم وآخر يوم هو اللي يوصلني.
جاءها صوته بنبرة غيرة واضحة:
— على فكرة… أنا بغير من فريد.
اعتدلت في جلستها:
— عمران!


