
هز حنفي رأسه نفيًا، وابتسم بخبث متواطئ:الشوكة اللي وقفت في زوري… هي نفس الشوكة اللي واقفة في زورك… يعني مصلحتي مصلحتك يا باشا. ضحك خلف ضحكة خافتة كأنها تخرج من بئر ممتلئ بالشر، ثم قال بتهكم ثقيل: أنا قادر على الشوكة دي… أطلعها من زوري وأرميها في أقرب مزبلة… انت اللي عويل. نفث حنفي دخان سيجارته، وحدق فيه بنظرة تحد مغموسة بالتحريض:أنا عارف… بس انت كمان لا عرفت مكان الورق اللي روحك فيه… ولا قدرت تاخد بت البدري اللي عينك كانت بتاكلها أكل كل ما تشوفها…
في لحظة، تغيرت ملامح خلف..
قبض على ياقة سترته بقوة، واندفعت الكلمات من فمه كحمم الغضب:الورق ده… ما تجيبش سيرته تاني! بدل ما تختفي من الوجود من غير ما نلاقيلك عضم! اللي أرواحهم معلقة في الورق ده… لو حتى في احلامك، مش هتتخيل ممكن يكونوا مين ووصلين فين … خلي لسانك جوا بوك، أحسن ليك… وليا! صمت لحظة، ثم أردف بصوت خافت كالسم: وبت البدري… هاخدها، وهركعها تحت جزمتي، هي واخواتها… بس بعد ما أشرب من دم سلطان الهواري… لآخر نقطة في جتته.
رفع حنفي يديه كمن يعلن الولاء، وهتف: حقك علي يا باشا… وعداك العيب! خدني في ضهرك… واعتبرني عكاز تتسند عليه… وعمري ما هميل. أنا هبقى سندال في ضهرك. أومأ خلف برأسه ببطء، عيناه لا تزالان مشتعلتين بشيء أكبر من الغضب، شيء يشبه الهاوية، وقال ببرود قاتل: لما نشوف… خليك جاهز. ثم استدار، وصعد إلى سيارته، وانطلقت به كطلقة حارقة تمزق سكون الليل. أما حنفي، فظل واقفًا للحظة، يراقب الأضواء تبتعد، ثم مسح على فمه وهمس لنفسه: أخلص بس من سلطان الهواري… وانت… ديتك رصاصة بجنيه يا باشا.
……………………………………
عوده شقة سلطان الهواري
مر الليل ثقيلا كالرصاص، وسلطان يتقلب في فراشه كمن يلهث داخل زنزانة بلا جدران. الزفرات تتصاعد من صدره، والنوم يجافيه كأنه لعنة. غابت عن عيناه، لكنها تجسدت في رأسه ألف مرة… تنام على الأريكة، غاضبة، جريحة، بعيدة كأنها ليست في الشقة ذاتها. وحين تسلل الصباح أخيرًا من بين ستائر الليل، استسلم سلطان لنوم مفاجئ، كأن جسده قرر الهروب وحده، بعدما عجز العقل والقلب عن النجاة. في الخارج، استيقظت ضي على ألم مزدوج. ألم الجسد من وضعية النوم غير المريحة على الأريكة، وألم أعمق… يئن في صدرها ولا يهدأ.
نهضت كأنها تحمل الجبال على كتفيها، أنهت روتينها الصباحي في صمت، وخرجت إلى شقة إخوتها. طرقت الباب برقة، ففتحه علي، وهو يبتسم قائلاً بود: ضي… صباح الخير يا قلبي. أومأت برأسها، وهمسة بصوت خافت: صباح الخير يا علي… ممكن توصلني المدرسة؟ أومأ سريعًا، ثم أمسك يدها وسحبها إلى الداخل بحنو أخوي واضح: طبعًا، يا ضي عين أبوكي… تعالي بس على ما ألبس. انتي فطرتي ؟ هزت رأسها نفيا، وهمسة:مليش نفس.
أطرق علي بعناد لطيف، وقال وهو يتجه نحو المطبخ:
لا، مفيش الكلام ده… لازم تفطري. وبدأ يعد وجبة بسيطة، ووضع الطبق أمامها بحنو:افطري على ما ألبس. لكنها كانت تشعر بشيء غريب. ألم شديد يمزق معدتها من الداخل، وغثيان يشتد كلما نظرت إلى الطعام. نهضت بهدوء، حملت الطبق، ووضعته في البراد دون أن تنبس بكلمة. وما إن خرجت من المطبخ، حتى وجدته يخرج من الغرفة في الوقت ذاته. قال وهو يلتقط مفاتيحه: يلا يا قلبي.
أومأت بصمت، وخرجا معًا. أوصلها إلى المدرسة، ثم انطلق إلى عمله. عوده الي شقة سلطان الهواري
استيقظ فجأة كمن أفزعه حلم. مد يده بجواره، فلم يجدها. رمش بعينيه ببطء، وتذكر… لقد تركته. خرجت من فراشه، من صمته، من جنونه.
اعتدل وجلس علي طرف الفراش واشعل سيجاره وهتف بصوت متحشرج: ضي؟ ضي!! تردد صوته في الشقة، فلم يجيبه سوى الصمت. سحب قميصه وهرع إلى الخارج، وفتح الباب بجنون، نزل درجات السلم ركضا، ثم قفز إلى سيارته كمن يهرب من حريق. عينيه تهدران بنيران الندم، وقلبه يركض أسرع من السيارة نفسها.
أوقف سيارته أمام بوابة المدرسة، جلس ينتظر… عيناه لا تفارقان الباب، ويداه تتشابكان كأنهما يحاولان حبس انهيار وشيك. وأخيرًا… خرجت. رآها. فتنهد، كأن قلبه تذكر كيف ينبض. ترجل من السيارة بخطى سريعة، واقترب منها وهتف بانفعال ممزوج بالقلق والغضب: انتي أكيد دماغك طقت! تخرجي كده من غير ما تقولي لوحدك؟! توقفت فجأة، نظرت له بدهشة وغضب، ثم تحركت بسرعة لتتجاوزه، لكن يده امتدت تقبض على ذراعها بقوة، وجذبها إليه وصاح : أنا بكلمك… تكلميني زي الناسهو أنا طرطور قدامك؟!
تململت بألم، ولكزته بقوة، وحاولت سحب ذراعها وهي تهتف:أوعى! انت عايز مني إيه؟! ملكش دعوة بيا! لكنه لم يستجب، سحبها بخطى ثابتة نحو السيارة، فتح الباب، ودفعها إلى الداخل برفق متوتر، ثم أغلق الباب، واستدار وصعد بجانبها، وانطلقت السيارة كالسهم. صرخت وهي تلكزه في ذراعه: نزلني يا رخم! بطل الهمجية دي! نزلني بقولك! لكنه كان كالصخر. ملامحه تعصف بها رياح الجنون. عينيه ثابتتان أمامه، لكن قلبه… يعوي في صدره.




