منوعات

نار وهدنه٨

انطلق بالسياره دون مبالاه وعينيه تعصف بالجنون
مر الوقت كانت السيارة تنساب وسط طرق جانبية متعرجة، لا يمر بها سائق عابر، ولا تضيئها مصابيح عامة، فقط ظلال أشجار يحركها الهواء الطلق، وصوت محرك سلطان يكاد يكون الشيء الوحيد الذي يشهد على وجودهما. كانت ضي جالسة جواره، مربعه ذراعيها حول صدرها بحنق وقد انهكها الغضب كانت عيناها مثبتتان في اللا شيء خلف الزجاج، لكن قلبها… كان صاخبًا…

ما زالت الكلمة التي قالها تدوي في أذن,يها، ثق,يلة، جارحة، تجر,دها من كل ما شعرت به معه.
ومع كل ن,بضة تسللت إلي قلبها، كانت تسأل نفسها:
هل هذا هو سلطان ,الذي اح,توائها ف الايام القليله الماضيه ؟ أم أن الغيرة فضحت قلب لا يثق به ؟ فجأة، توقفت السيارة أمام مبنى ضخم معدني، بلا لافتة ولا ملامح، تآكل طلاء بوابته الحديدية من الصدأ، لكن سلطان خرج كأنه يعرف كل شبر في المكان عن ظهر قلب.

فتح الباب لها ولم ينظر إليها، واكتفى بجملة مق,,تضبة:
تعالي. ترجلت بتردد وسارت خلفه وهي تنظر حولها بدهشه بخطواتها خفيفة، مترددة، كأنها تمشي في عالم لا تعرفه، في جزء من سلطان لم تلمسه من قبل. فتح بابا جانبيا صغيرا، فانكش,ف أمامها عالم آخر تمامًا. كانت الورشة علي مساحة واسع,ة تعج بالحركة المنظم,ة. رجال بملابس ,داكنة، يتحركون بتركيز، يتفقدون سيارات فارهة وسريعة، يتحدثون بأصوات خافتة، وأضواء بيضاء معلقة تتأرجح فوق الرؤوس، تلقي بظلال طويلة على الأرض الخرسانية..

رائحة البنزين والزيت المح,روق والحديد الس,,رة… كانت تعبق برجولة واضحة، كأنها العلامة المسجلة لهذا المكان. اقترب سلطان ومسك يدها وقال بصوت خافت، لكنه محمل بالمعنى: هنا… ده مكاني يا ضي محدش غيري بيخش، ولا حد يعرف أنا بعمل إيه هنا. بس إنتي… دخلتي… عشان انتي غير الدنيا كلها عندي نظرت له ضي بدهشة لم تخفها. شيء ما فيها انكسر، نعم، لكن عيناها لم تتوقفا عن سبر هذا الوجه المزدحم بالتناقضات: القسوة والحنية، الغضب والخوف، الرجولة والضعف.

وقبل أن تتكلم، قادها إلى باب خلفي ضخم، وفتح لها الممر المؤدي إلى مضمار مغلق.
مكان واسع، رملي، مفتوح على السماء، تصطف على أطرافه خمس سيارات داكنة اللون، كل واحدة منهم كأنها وحش معدني ينتظر الإفلات. نظر إليها سلطان وقال بهدوء: اللي هتشوفيه دلوقتي… هو أنا سلطان الهواري اللي محدش يعرفه .. خلع سترته الجلدية، ومدها لها، ثم مشى نحو إحدى السيارات وأمر رجاله بحركة واحدة أن يبدأوا. اشتعلت المحركات.هدير. أضواء.
صوت العجلات يخدش الأرض كأنه غضب صامت.

ثم انطلقت السيارات دفعة واحدة.
كان سلطان في المقدمة، يقود وكأن العدم خلفه، وكأن السباق ليس مجرد تسلية… بل إعلان وجود، إعلان تحد إثبات أنه هنا… رجل لا يسقط، وإن سقط، عاد أكثر ضراوة. وقفت ضي تشاهده، لأول مرة… تشاهده من الخارج، ترى فيه ما لم تكن تراه وهي قريبة جدا
قلب مقاتل. عقل متمرد. يد تمسك بالمقود وكأنها ترفض الانكسار. شقت ابتسامه وجهها وهي تشاهد السباق الذي كان حلم من أحلامها أن تشاهده ..

وحين انتهى السباق، وعاد سلطان، وجهه مغبر، يداه متسختان بالزيت والغبار، لكنه حين وقف أمامها، كان وسيما كما لم يكن من قبل. اقترب منها… رفع يده، وأزاح شعرة كانت معلقة على جبينها وقال بصوت خافت، أعمق من أي اعتذار:أنا آسف… الكلام اللي قلته، جرحتك؟ نظرت له بدموع متحجره والتزمت الصمت
اقترب أكثر، وأردف: بس قتلني انا أكتر… انتي مش أي واحدة… إنتي مراتي، وكل ما أقربلك… بخاف عليك أكتر. غيرتي… مش ضعف، غيرتي خوف يا ضي انتي بقيتي اغلي حاجه عندي !!

وقفت ضي أمامه، والدموع تغلف عينيها، لكن قلبها بدأ يلين.
ثم أمسك كفها، ورفعها إلى شفتيه، وقبلها بتنهيدة مكسورة وقال: أنا غلطت… بس عليا النعمه مفيش حد بيخاف عليكي ادي.. وساعات لما الواحد بيخاف زيادة… بيخرب كل حاجة وهو بيحاول يحافظ عليها… حاولت سحب يدها واعطته ظهرها وغمغمت بدموع: تحافظ عليا!! وتتهمني ف أخلاقي ؟! دارت له ودموعها تنهمر وهتفت : ولا عشان سبتك تقرب مني يبقي هسمح لاي حد ؟!

سحبها من خصرها وغمغم بصوت أجش: يابت أنا اقرب براحتي.. أنا جوزك!!  هو اي واحده تسيب جوزها يقرب منها هيفكر فيها كده.. انتي هبله ؟! لكزته بقوه ف صدره وهتفت: هبله !! كفايه بقا انت ايه مفيش فايده فيك.. اوع ! حاولت دفعه لكنه تمسك بها بقوه ورفعها بين أحضانه وهتف: ماهي الدماغ دي!! والعند ده اللي بيجبلك الكلام
تحرك بها وهي تركل بساقيها وهتفت : نزلني وبطل الهمجيه دي .. أنا عايزه اروح اذاكر !!

ابتسم بجانب فمه بعبث وقال: احنا هنذاكر سوا هلخصلك المنهج كله.. اصبري علي رزقك !!
سار بها  إلى ممر ضيق خلف الورشة
كان الليل قد أرخى ستائره، والهدوء يكسو المكان، سوى من حفيف الأشجار العالية، ومواء قطة عابرة، كأن الطبيعة كلها تنحني لصالح لحظة واحدة… لحظة الصفح. وصلوا أمام بيت صغير مبني بالحجر الريفي، خشبي السقف، محاط بسور منخفض من الزرع البري، ينبعث من نوافذ نور خافت بلون العنبر، دافئ، حي، كأنه يحتضنهم قبل أن يفتحوا الباب.

انت في الصفحة 6 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى