
ربت على وجنتها برقة، ومسح دموعها بن,عومة رجل لا يعرف إلا الحنان معها، ثم قال: خلاص… اهدي، وعايزك تتحملي. إديني فرصة أرجع حقي، وحق إخواتي، وأقف على رجلي…
وإذا كان على عمي، خليه يفتكر إنك بعدتي عني… لحد ما الدنيا تظبط. ووعد… وعد يا قلبي، عمري ما هتخلى عنك. أومأت برأسها، ودموعها لا تزال تنحدر بصمت، ثم همسة:
بس ما تبعدش أوي… لازم أشوفك. ابتسم بهدوء، وقال: هشوفك… أنا بمعرفتي.
ردت بصوت خافت: المهم… أشوفك. …………………………………………..
مساءا في شقه سلطان الهواري كان المساء قد أرخى سدوله حين دلف سلطان إلى شقته بخطوات متراخية، والملل يرسم تجاعيده على ملامحه. أدار عينيه في أرجاء المكان بحث عن أثر، وقد توقع أن يجد الشقة خاوية من حضورها، أن تكون قد عادت إلى إخوتها بعد ما دار بينهما… لكنه توقف فجأة، وقد تحول الملل إلى ذهول، والضيق إلى دهشة. كانت ضي جالسة على الأريكة، منكبة على كتبها، تقلب الصفحات بتركيز واجتهاد يشبه التحدي الصامت. ملامحها توحي بعز’يمة لا تشترى، وكأنها تنتقم من شيء ما بدروسها.
اقترب منها ببطء، وجلس إلى جوارها، ثم مد يده ومسح على ظهرها بخفة هامسة : ضي… لكنها انتفضت كمن لسعت، ودفع’ته بع’ف غا’ضب، وصاحت محتدة:ابعد إيدك دي… أوعى تلم’’سني! اتسعت عيناه في صدمة، وتجمدت كلماته عند حاف’ة حلقه، قبل أن يه’مس بصوت ممزق بين الندم والارتباك:
ضي… انتي عارفة إني مكنش قصدي… وأنا ببقى أعمى وقت الغضب…
ومع ذلك، مد يده وقبض على ذراعها، ثم جذبها نحوه بع’نف لا يخلو من رجاء، وقال بنبرة حادة تتكسر فيها الغيرة والضعف: بقولك إيه يا بت البدري… لازم تفهمي إنك ليا… ملكي، بتاعتي… بتاعت سلطان الهواري. يعني مش هسمح لج’ن’س ذكر حتى يلمح ط’رفك، مش يلمس’ك ويحط إيده ’عليكي… فاهمة؟ انتزعت ذراعها من قبضته بقسوة، ونظرت إليه بعينين تشتعلان غيظًا، قبل أن تعود إلى مكانها، تبعد جسدها إلى الطرف الآخر من الأريكة، وتسحب كتابها كأنها تحتمي به منه. قلبت الصفحة بعنف، دون أن تنطق بحرف.
جلس سلطان للحظات يحدق فيها، وصدره يعلو ويه’بط بصمت يحر’ق صدره، ثم تمتم بصوت أقرب إلى اللوم لنفسه: انتي اللي غلطتي من الأول… لكنها لم ترفع عينيها نحوه. ظلت كما هي، صامتة، عازفة عن أي رد. تنهد ب’غيظ، ونهض بخطوات مثقلة، كأنما يحمل العالم على كتفيه. دلف إلى غرفة النوم، نزع قميصه بع’نف، ثم ألقى بجس’ده على الفراش كمن يلقي بنفسه في لب الجحيم. مر الوقت ثقيلاً، كأنه يسير على الجمر. كل دقيقة تمر، تفتت أعصابه ببطء قا’’تل. وبعد منتصف الليل، نهض من فرا’شه وهو يغلي، وخرج إلى الصالة.
رآها هناك، غافية’فوق كتبها، رأسها يميل على صف’حة مفتوحة، وملا’محها مره’قة كأنها خاضت معركة… لكنها رغم كل شيء، ما زالت تشبه السلام حين يغفو اقترب منها، وحملها بين ذراعيه برفق، وكأنها آخر ما تبقى له من الصبر، وهمس بصوت يكاد يبكي الحنين:
تعالي… يا آخرة صبري. ضمها إلى صدره، وسندها على جانب قلبه، وسار بها إلى غرفة النوم كأنما يحمل أمنية. وضعها على الفراش بكل رقة، لكنه لم يكمل طقوس الهدوء، إذ فتحت عينيها فجأة، وتجم’دت لبرهة، ثم هبت كأنها فرت من كابو’س. دف’عته بقوة، وسحبت وسادة وشر’شف السرير، وخر’جت بهما إلى الصالة دون أن تنةطق.’
وقف سلطان للحظة مذ’هولًا، قبل أن يرفع’ حاجبه بغض’ب مكبو’ت، ويف’جر مرا’رته بتهكم قاس: تصدقي؟… أنا اللي غلطان… عشان صعبتي عليا… وكنت عايزك تنامي مرتاحة… نسوان! وش فقر. ثم عاد إلى سريره الذي ما عاد يشبه فراشا، بل فوهة بركان لا ’ينفك يشتعل في قلبه، ينتظر لحظة الانفجار. …………………………. في مكان مرتفع يلفه الظلام كأنما ابتلعته الأرض،
وقف خلف يطالع المدينة من بعيد ، والأضواء المتناثرة في الأفق تتلألأ كالنجوم المكسورة…
بدا جسده هناك، لكن عقله كان يسبح في عوالم أبعد من تلك النجوم بكثير… عوالم يختلط فيها الماضي بالحساب، والغدر بالانتقام. توقفت سيارة سوداء بجانبه، ترجل منها حنفي الرش’ةةاش يده ملف’وفة بشاش طبي، وع’يناه تشعان بغضبٍ دفين. اقترب بخطى مترددة ممزوجة بالانك,سار، لكنه حاول أن يخفيها بها’لة من الترحيب المصطنع: يا مرحب يا خلف باشا… أنا والله ما مصدق عنيا.’ التفت إليه خلف ببطء، وغمغم بابتسامة لا دفء فيها، فقط نفس خ’يث يتر’قرق في نبرته: أهلا يا رشاش…
نظر إلى يده المصابة، وأشار نحوها بسخ’رية لاذعة:
سلامتك يا رشاش… سلطان الهواري طلع’ جاحد، وأنت اللي رما’ك الهوا ونزلت الجمالية. زفر حنفي بح,نق، وغم,غم كأنما يتج,رع الس,م: قالوا إنه مسافر… بس كان هناك. ابن الك’لب ده خس’رني رجالة مربيهم على إيدي سني’ن! وحر’م عليا الجمالية كلها… وانت عارف الم’نطقة دي يعني إيه… كبيرة وخسارتها أكبر من اللي يتقال. أومأ خلف ببرود كأن الأمر لا يعنيه، وقال وهو ينظر بعيدًا:وانت عايز مني إيه؟ أجبلك رجالة بدل اللي علم عليهم سلطان؟



