
قادها إلى أقرب أريكة، جلست، واقترب منها، يفتح الطعام ويقول بجدية: يلا… كلي. أومأت برأسها وبدأت تتناول الطعام ببطء. شاركها الأكل، يطعمها بيده كأنها طفلة مدللة، حتى أنهيا طعامهما. نهض ليضعه في البراد، ثم عاد فوجدها قد تمددت على الأريكة، منكمشة على نفسها. انضم إليها، رفع رأسها برفق، وسحبها إليه، ضمها إلى صدره، ورفع الغطاء عليهما، وهمس:تصبحي على خير… يا ضي.” دفنت وجهها في عنقه، وهمسة بنعاس شديد: وإنت من أهله.
ثم أغمضت عينيها، وسقطت في نوم عميق، كأنما لم تعرف الطمأنينة إلا بين ذراعيه.
…………..
ف المستشفى نقل راجح إلى غرفة عادية بعدما استقرت حالته بعض الشيء، وتجمع الجميع حوله في صمت ثقيل، يترقبون أن يفتح عينيه. كان الصمت مشوبًا بالقلق، ممزوجًا برجاء خفي في أن تكون الأزمة قد عبرت بسلام. مر وقت طويل قبل أن يرمش راجح بعينيه، يحاول جاهدًا مقاومة الثقل الجاثم على جفنيه. فتح عينيه قليلاً، لكن النور اصطدم بهما بعنف، فأغلقهما على الفور بتأوه واهن.
اقترب العتال من السرير، وعيناه غارقتان بالدموع، وصوته ينكسر كطفل فقد طريقه:فتح عنيك يا ابني، اوعى تحرق قلبي عليك… انت عارف إني مليش غيرك في الدنيا دي. فتح راجح عينيه مجددًا، وهز رأسه ببطء، وتمتم بصوت بالكاد يسمع:ماتخافش يابا… عمر الشقي باقي. أحاطه الجميع بدفء مشوب بالغضب، كأنهم ينتظرون منه كلمة واحدة لتشتعل الحرب. قال عز وهو يقبض على طرف السرير بحنق:حمد الله علي السلامة يا صاحبي… مين اللي عمل فيك كده؟ قولي بس، وأنا أجيبه متكتف تحت رجليك.
وربت ياسر على كف راجح قائلاً بحرارة:قول يا راجح، أي صفة في خلقته… لون، علامة، أي حاجة، وإحنا نجيبه… وميطلعش من هنا حي !! هز راجح رأسه ببطء، وقال بصوت منهك:هو… أسمر وطويل… وعنده جرح قديم في حاجبه الشمال. اقترب عمار وحدّق في عينيه باستفهام:يعني إنت مشوفتوش قبل كده؟ أول مرة تشوفه؟ أومأ راجح برأسه نافياً، وتمتم بتعب شديد:أيوه… أول مرة أشوفه في المنطقة !! ضرب عاشور الأرض بعكازه بقوة جعلت الجميع يصمت، وهتف بصوته الرخيم الجهوري:كفاية يا ولاد… لما يقوم بالسلامة ابقوا اسألوه زي ما انتو عايزين.
أومأ الجميع في هدوء، واقترب عاشور من راجح، وربت على كفه بحنو لا يخلو من قوة رجل عجوز صقلته الأيام، وقال بنبرة حازمة:حمد الله على سلامتك يا ابني… ماتشيلش هم… سيبها على الله. رد راجح بكلمة واحدة خافتة، لكنها مشحونة بكل ما فيه:
على الله.” ظلوا يتحدثون لبعضهم بأحاديث جانبية، يحاولون كسر ثقل اللحظة. بعد قليل، نهض ياسر وتمطى قائلاً:أنا هروح ألبس قميص بدل ما أنا قاعد بفنلة كده… نظر عز وهز رأسه:أيوه، كمان المحلات كلها مفتوحة… ومفيش غير الصبيان اللي شغالين!
اوما ياسر بخفة وبدأ يتحرك نحو الباب، فناداه إبراهيم: استنى يا ياسر… جاي معاك.”
اقترب من راجح وربت على كفه برفق:حمد الله على السلامة يا حبيبي… هجيلك تاني.” تمتم راجح وهو يبتلع ألمه: تسلم يا اسطا.” قبل أن يخرج، مر إبراهيم بجانب عمار، ووضع يده على منكبه، وقال بصوت خفيض:هشوف ضي… واطمنك.” أومأ عمار برأسه، ولم يتكلم. أما إبراهيم وياسر، فانصرفا معًا من الغرفة، يخطوان في ممر المستشفى الذي يضج بالصمت والقلق.
……………………………………..
ف شقه ياسر الهواري كان الصمت يملأ الشقة حين دلف ياسر، يتقدمه ظله المرتبك في ضوء خافت بالكاد يبدد عتمة المكان. وحدها جنات كانت تجلس في أحد الأركان، تغلفها العتمة، وعيناها اللامعتان بالدموع تشي بأن الليل لم يرحمها.
غمغمت بصوت خفيض مخنوق:لسه بدري يا بيه… ده يدوب الفجر أذن من شوية.” أدار ياسر رأسه نحوها، والحنق يتفجر من عينيه. بدا منهك، ملوثًا بالدم، ومحملا بما يفوق طاقته. قال بصوت أجش:جنات… اصطبحي. إنتي متعرفيش إيه اللي حصل؟! نهضت من مكانها واقتربت، وفي صوتها غضب متكوم ككومة رماد تحتها نار:والله… نفسي أفهم إيه اللي حصل بينا… يوصلنا لكده؟ مد ياسر يده وقبض على يدها بقوة، وصاح بعصبية انفجرت بعد كتمان طويل:نفسي مرة واحدة تفكري فيا زي ما بتفكري في نفسك! مش بيهمك غير نفسك… إنتي عايزة إيه، وإنتي ناقصك إيه… وخلاص! الدنيا تتحرق؟ عادي! مش فارقة معاكي!
انتزعت جنات يدها من قبضته بعنف، ونحيبها خرج مكتومًا لكنه جارح:أنا؟! إنت بتتكلم عليا ولا على نفسك؟! أنا ليا خمس ساعات مستنياك! رنيت عليك لحد ما تليفونك اتقفل… ومفيش، ولا حتى رنّة واحدة تطمني! وكأن قلقي عليك ملوش أي تمن عندك… بتفرح تشوفني مشغولة عليك؟! بتستمتع بقلقي؟!” أدار وجهه عنها وهز رأسه كمن يهرب من الحقيقة، ثم صرخ بألم حارق:لا… ده انتي بجد هابه منك على الآخر! بصيلي يا جنات! أنا نازل كده… مش شايفة الدم اللي على هدومي؟! وبتزعلي لما أقولك إنك مش بتشوفي غير نفسك؟!
تراجعت خطوة، وارتجفت شفتيها وهي تهمس بدهشة وخوف:إيه ده؟! ليه الدم ده؟! اتخانقت مع حد؟!” ابتسم ياسر ابتسامة موجوعة ممزوجة بسخرية مرة وقال:واحد ابن حرام… ضرب راجح بمطوّة في جنبه! خدناه جري على المستشفى… وقعدت معاه لحد ما اطمنت عليه… يعني مكنتش طالع أتفسح! شهقت جنات ووضعت يدها على صدرها، لكنها لم تستسلم، قالت بصوت يرتجف من القهر: طب… ويحصل إيه لو مرّة واحدة بس… رديت عليا؟! طمنتني؟! حسستني إني مهمة؟! إن قلقي ليه معنى؟!”




