
لوّح ياسر بيده بيأس وتحرك نحو المرحاض وهو يهتف بضيق بالغ:شوفي أنا بقولك إيه! وانتي برضو كل همك إنك تطمني! وأنا كان في دماغي أرد؟! يا ولية خلي عندك دم شوية! تجمدت جنات مكانها، وعيناها لا تصدقان قسوته. أغلق ياسر باب المرحاض خلفه، لكن صوته خرج منه مجددًا غاضبًا:هاتيلي غيار… وخلي يومك يعدي! عشان أنا العفاريت الزرق بيتنططوا قدامي دلوقتي!
لم تجد جنات إلا أن تنفذ، وهي تجر قدميها بقهر. دخلت إلى الغرفة بهدوء يشي بانكسار عميق، تبحث بين الملابس بصمت، ودموعها تنهمر دون توقف. لم يكن بكاؤها صخبًا، بل كان نازفًا… كما لو أن شيئًا انكسر داخلها دون صوت.
……………………………………..
صباحا في المستشفى استعاد راجح وعيه الكامل، يتمدد على السرير بقليل من الإعياء وكثير من روح الدعابة التي لا تفارقه. ساعده عز على الجلوس، ثم ربت على منكبه وهمس مازحًا:قوم يا ض، إنت هتعمل فيها جريح؟ ده خربوش ياروح امك!!
ابتسم راجح بسخرية مريرة، وقال بصوت خافت:
خدني على خوانة ابن الحرام… بس معلش، ملحوقة. ضحك عز، وعيناه تلمعان بمكر الأخوة وقال:وأنت كنت مشغول في إيه يا عـ**؟! قاطعه راجح وتنحنح وهز رأسه نافيًا، وقال بصوت منخفض: أنا كنت مروح… لما لقيته واقف على الناصية… وشديت معاه. رفع عز حاجبه بشك، ثم تمتم بنبرة لا تخلو من الخبث:
راجح… إيه اللي غير مكان بيتكم وخلاه جنب بيت عمي خليفة؟ لكزه راجح في جنبه وهمس محذرًا:اسكت بقا… إنت هتفضحنا؟ العتال بيبص علينا… وأنا مش ناقص يشيط عليا دلوقتي… خليه كانن !!
قهقه عز بصوت مكتوم، وأشار إلى فمه ملتزما الصمت، لكن عيونه كانت تقول الكثير. لحظات، ودق الباب بخفة، ثم دلفت عايدة وبطة وحياة، يحملن معهن سلالة مملوءة بالطعام والمشروبات والفاكهة، والقلق لا يزال عالقا في نظراتهن رغم ابتساماتهن المتعبة. اقتربت عايدة من راجح، ووضعت يدها على رأسه، وهتفت بحرارة أم يذوب قلبها خوفًا:كف الله الشر يا ابني… الهي ينشك في إيده اللي ضربك! أمسك راجح بكفها وقبله، هامسًا بإمتنان: تسلمي يا أما.
أقبلت بطة وقبلته على جبينه، ودموعها تلمع على أهدابها، وقالت بشجن:خلعت قلبي عليك… يا بن الغالية. ربت راجح على كفها بلطف وهمس:سلامة قلبك يا أما… أنا كويس… عمر الشقي باقي. وضعت يدها على صدره، تمسح بحنان أمومي، وقالت بخشوع:اسمالله عليك يا ضنايا… يطول في عمرك يا وصية الغالية. هتف العتال، الذي كان يراقب المشهد بمودة خالصة:
ربنا يباركلك يا أم عز… ويخليكي لينا يا أم سلطان. ابتسمت عايدة وقالت بود ظاهر:حمد الله على سلامة راجح يا حج… ربنا ما يوريك فيه شر أبدًا.
هز العتال رأسه وهمس بخشوع:يارب يا أم عز… يارب. تقدمت حياة، وضعت حقيبتها جانبًا، ونظرت نحو راجح بنظرات فيها شيء من الحزن، وقالت:سلمتك يا راجح… قوم وشد حيلك. نظر لها راجح بتمعن، عينيه تستقران فيها كأن بهما ما لا يقال، ثم هز رأسه وتمتم بخشوع: حاضر… يا حياة بيت الهواري. زمت شفتيها، وحاولت أن تخفي ارتباكها، وقالت:ربنا يخليك يا أخويا. في تلك الأثناء، بدأت بطة تفرغ الطعام وتضعه أمام راجح، وهتفت بإصرار حنون: يلا يا واد… لازم تاكل وترم عضمك عشان تقوم وتصنب طولك… يا ضنايا.
قربت قطعة دجاج من فمه، وبدأ راجح بتناول الطعام على مضض، فهتف عز بمرح: بابختك يا سطى! هتاخد الدلع كله لوحدك الأيام الجاية! ضحك راجح رغم ألمه، وقال:حرام عليك… حتى وأنا دمي سايح بتنق عليا؟! متخليك في حالك يا هواري. ضحكت عايدة وربتت على صدر عز وقالت: قوم يا ضنايا… إنت هنا من امبارح… قوم روح ريح جتّتك، وشك تعبان. أومأ عز ونهض ببطء، وكأن جسده ينوء بثقل غير ظاهر، ثم تمتم:هروح أبص على الدنيا ماشية إزاي… عشان سلطان مختفي من امبارح… وهريح ساعتين وارجع تاني.”
أومأ الجميع بالموافقة، وهتفت بطة بحنو أمّ تخشى على ابنها:خد بالك من نفسك يا واد… وامشي على مهلك. أشار لها بيده وقال مبتسمًا : أمرك يا بطتي. في تلك اللحظة، حاول راجح أن يمنع يد عايدة من تقديم المزيد من الطعام، وقال بابتسامة متعبة:
كفاية يا أما… أنا شبعت أوي. رفعت حاجبها بتذمر لطيف وهتفت:جرا إيه يا واد… إنت ماكلتش غير نص الفرخة! ضحك راجح وقال:ياما… ده أنا وسليم مش باكل نص فرخة … لما أكلها وأنا تعبان؟!
قهقهت عايدة بمرح وقالت: طيب هديك استراحة… ونكمل! ضحك الجميع، وغمر الجو دفء الألفة، وغمغم العتال بمودة صافية:.ربنا يخليكي لينا يا ست الكل.” ردت عليه عايدة وهي تلم الطعام بابتسامة هادئة:
إن شاء الله يخليك يا حج… ……………………………….
في البيت الريفي حيث لا يسمع سوى همسات الطبيعة، استيقظت ضي على دفء الشمس المتسلل من بين الستائر. فركت عينيها ببطء، وهمسة باسم غاب عنها لحظات: سلطان… تمطت بخمول، وجسدها يئن بإرهاق غريب. نهضت ونظرت حولها بتثاقل، حتى وقعت عيناها على ورقة صغيرة بجوار الإفطار، كتبت بخط سلطان الرجولي الواضح: أنا في الورشة. افطري من غير محن بنات.


