أمر وكيل النيابة فوراً: “يحرر محضر ضبط وإحضار رسمي، وتتغير التهمة الموجهة للمدعو مراد الألفي إلى الشروع في الق*تل، والتعذيب البدني لطبقة قاصر، وإحالة الملف برمته إلى نيابة حوادث شرق القاهرة الكلية. يظل المتهم قيد الاحتجاز المشدد ولا يفرج عنه بأي كفالة مالية.” لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. فالنفوذ حية لا تمـ,ـوت بسهولة.
عند حلول الفجر، بدأت الاتصالات تتوالى على إدارة المستشفى وعلى وحدة الشرطة. محامون كبار ببدل رسمية داكنة وسيارت جيب سوداء بدأوا يتوافدون على مبنى المستشفى. كبار رجال الأعمال وأشخاص يتدثرون بأسماء ثقيلة حاولوا التدخل للتكتم على البلاغ، أو تحويل القض*ية إلى مجرد “مشاجرة عائلية” أو “خطأ غير مقصود أثناء التربية”.
أحد كبار المحامين التابعين لمراد تقرب من مريم في الممر أثناء انتظارها أمام غرفة العناية المركزة. كان يرتدي نظارة طبية بإطار ذهبي وابتسامة مصطنعة تحمل الخبث: ” دكتورة مريم.. إحنا مقدرين مشاعرك وأمومتك، بس الأستاذ مراد رجل له اسمه ومكانته في البلد، والق*ضية دي لو كبرت مش هتفيد حد.. شهد محتاجة علاج ورعاية، والأستاذ مراد مستعد يتنازل عن كل حقوقه في الحضانة نهائياً، ويكتب باسم شهد الشقة والعمارة اللي في التجمع، بالإضافة لمبلغ مالى ضخم يؤمن مستقبلها.. في مقابل إن التقرير يتعدل ويتقال إنها وقعت فعلاً وتتنازلي عن الشهادة.”
رفعت مريم رأسها. لم تكن عيناها تتضمنان أي خوف أو تردد. نظرت إلى المحامي باحتقار أثقل من الحجارة وقالت بصوت مسموع للجميع: “يا أستاذ.. الفلوس اللي بتتكلم عنها دي هي الدـ,ـم اللي كان بيسيل من دراع بنتي. النفوذ اللي خايفين عليه هو اللي كان خنقها وهو بيرميها من على السلم. قوله إن السجن اللي هيدخله مش هيعوض نقطة دموع واحدة نزلها جفن شهد.. وأنا مش هبيع دم بنتي بفلوس الدنيا كلها.”
في هذه اللحظة، فتح باب العناية المركزة. خرج الطبيب المتابع، ووجهه يحمل بشائر أمل حذر. ركضت مريم نحوه: “دكتور! شهد صحيت؟” هز الطبيب رأسه برفق: “الضغط استقر، والارتجاج بدأ يخف.. هي فتحت عينيها وبتقول اسمك.” ارتجف جسد مريم بالكامل. استأذنت وارتدت الرداء المعقم ودخلت بخطوات مرتعشة إلى داخل الغرفة الدافئة المليئة بأجهزة قياس النبض والتنفس. كانت شهد ترقد على السرير الأبيض، ضمادة كبيرة تلف رأسها الصغير، ويدها اليسرى مثبتة بالجبس، ووجهها يحمل آثار الكدمات والألم. لكن عينيها.. عينيها الصغيرتين اللتين كانت تمتلئان بالرعب، كانتا تسكنهما الآن لمعة غريبة من الراحة والهدوء بمجرد أن رأت مريم.
اقتربت مريم، وجلست على طرف السرير، وأمسكت بيد شهد السليمة بكل رفق، ودموعها تسقط على الأغطية البيضاء: “سامحيني يا شهد.. سامحيني يا حبيبتي إني تأخرت عليكِ.. سامحيني إني ما حستش.” همست شهد بصوت مبحوح، ضعيف جداً، ولكن كلمات أشرقت كالشمس في عتمة الغرفة: “ماما.. التليفون.. شفتيه؟” اضطربت مريم وابتسمت وسط دموعها، وهي تقبل يدها الصغيرة: “شفت كل حاجة يا روح قلب ماما.. التليفون عمل اللي أنتِ أردتيه.. حقك رجع، ومحدش في الدنيا كلها يقدر يلمس شعرة منك تاني.. خلاص، الكابوس انتهى.”
ابتسمت شهد ابتسامة صغيرة مجهدة، وأغمضت عينيها لتستسلم لنوم عميق وهادئ، لأول مرة منذ أشهر طويلة دون خوف من صوت قدمين تقتربان من باب غرفتها. خارج المستشفى، كانت الشمس تبدأ في الشروق، تصبغ سماء القاهرة باللون البرتقالي الساطع. كانت سيارات الشرطة تحيط بالمبنى، يقتاد فيها مراد الألفي، مكبل اليدين بالحديد، متوجهاً إلى النيابة الكلية تحت حراسة مشددة. سقط قناع الهيبة والجاه، ولم يبقَ سوى رجل يواجه مصيره المحتوم خلف القضبان، بعد أن فضحت خطته طفلة صغيرة بحذاء مكسور وتليفون قديم.
قفزت القصة إلى وسائل الإعلام والصحف، وأصبحت قض*ية رأي عام هزت المجتمع المصري بأكمله. تحولت شهد إلى رمز للشجاعة الصامتة، وتحولت مريم إلى نمط للأمومة الحقيقية التي لا تباع ولا تشترى بالمال أو الجاه. ولكن، بينما كانت مريم تجلس بجوار شهد في الغرفة المنتقلة إليها في جناح التعافي، أتاها اتصال هاتفي من رقم مجهول. ترددت مريم قبل أن تجيب. رفعت السماعة وضعتها على أذنها: “ألو؟”
جاءها صوت غريب، خفيض، ينضح ببرود مرعب، ليس صوت مراد، بل صوت رجل آخر يعرف تفاصيل لا يعلمها أحد: “دكتورة مريم.. أنتِ فاكرة إن اللعبة خلصت بكسر إيد مراد ودخوله السجن؟ مراد كان مجرد واجهة.. التسجيل اللي معاكِ في النيابة فيه حاجة ثانية.. فيه صوت شخص ثالث كان واقف على السلم وبيأمره يعمل كده.. والتليفون ده مش حرز عادي.. التليفون ده فيه ملفات ثانية شهد سجلتها بالغلظ من غير ما تعرف.. ملفات هتهد أسماء أكبر بكثير من مراد الألفي في البلد.. لو الملفات دي اتسلمت للنيابة بكرة.. مش شهد بس اللي هتروح.. المستشفى باللي فيها هيختفوا من على وش الأرض.”
تسمرت مريم في مكانها، وتجمعت الدماء في رأسها. التفتت ببطء لتنظر إلى شهد النائمة بسلام.. ثم نظرت إلى هاتفها المحمول الذي بين يديها.. لتكتشف أن الكابوس لم يكن سوى البداية لقصة أكبر وأشد خطورة، وأن التسجيل القديم لم يكن يحمل مجرد صوت معذبها، بل كان يحمل سر شبكة كاملة تخبئ جرائمها خلف أبواب القصور الصامتة!



