منوعات

عا.شق لها

“يعني إيه عايشة؟ يعني إيه السنين دي كلها كنت ببكي على قبر فاضي، والنهاردة راجعة تقوليلي إنها لسه على ذمتي وإن ده ابني؟!” ​فارس الكيلاني كان واقف زي الصنم في نص المكتب، عروق رقبته نافرة وعينيه بتطق شرار وهو بيبص لأمه. الحاجة “توحة” ساندة على عصايتها، وبتبص للباب بخوف وقالت بصوت واطي: ​”وطي صوتك يا ولدي.. البت نايمة فوق، لو سمعتك هتروح فيها.. انت عارف إن ريم ملهاش ذنـ,ـب في اللعبة دي.”

​فارس مسح على وشه بعـ,ـنف وقال بقـ,ـهرة: “ذنب؟ ريم هي الحاجة الوحيدة النضيفة اللي طلعت بيها من الدنيا.. أنا ما صدقت خفيت من كابوس كاميليا.. تقومي تقوليلي كاميليا عايشة وموجودة في المندرة برة؟ ومعاها حتة عيل بتقول إنه ابني؟” ​الحاجة توحة بدموع: “يا ولدي أنا اتفاجئت زيي زيك.. دخلت عليا الفجر متلتمة.. وقالتلي إن الحادثة اللي حصلت زمان كانت مدبرة وإنها هربت عشان تحمي ابنك من ولاد عمك.. ودلوقتي رجعت تطالب بحقها وحق ولدك.. ولازم ترجعها الدار وتعلن ده للكل. ده وريث الكيلاني يا فارس.”

​فارس حس إن الدنيا بتضيق بيه. ​الحاجة توحة كملت بحسم: “أنا كلمت كبارات العيلة.. كاميليا هتبات الليلة في أوضتها القديمة.. ريم مرتك على عيني وراسي، بس أم ولدك ليها حق، ومينفعش نرمي لحمنا.” ​برة المكتب، أنا كنت واقفة متسمرة. الصينية اللي كان عليها كوبايتين القهوة اللي عملتهم عشان نصحى ونشربهم سوا، كانت بتترعش في إيدي. ​كنت جاية أصحيه وأقوله على السر اللي مخبياه بقالي أسبوع.. كنت جاية أقوله إني أخيرًا حامل.

سمعت اسم “كاميليا”.. وسمعت كلمة “وريث الكيلاني” و “هتبات في أوضتها”. ​الدنيا اسودت في عيني. ​امبارح بس كان بيمسح دمعتي وبيقولي “انتي عوضي عن كل وجع شفته”. امبارح بس وعدني إن مفيش قوة في الأرض هتاخد مكاني في قلبه. ​النهاردة؟ مراته الأولانية عايشة؟ وعندها منه ولد؟ وهترجع تشاركني فيه؟ ​حسيت إن الهوا انسحب من حواليا.. الرؤية زغلت، والصينية وقعت من إيدي بكل اللي عليها. ​صوت تكسير القزاز كان زي قنبلة انفجرت في سكون البيت.

​جوه المكتب فارس رفع راسه بسرعة وصرخ: ​”ايه الصوت ده!” ​فتح الباب.. لاقاني ساندة على الحيطة وبنزل ببطء للأرض، وشي شاحب زي المـ,ـوتى وإيدي على بطني. ​عينه وسعت، ولأول مرة أشوف الخوف بياكل ملامح فارس الكيلاني القوية. ​”ريــــم!!” ​نزل على ركبه في ثانية وخدني في حضنه. كنت بقع، بس إيديه القوية لحقتني. صرخ بصوت زلزل جدران القصر: ​”يا عبده.. اطلبوا الإسعاف فوراً!” ​شالني وحطني على الكنبة، وفضل يمسح على وشي وإيده بتترعش: “ريم.. يا حبيبتي افتحي عينك.. والله العظيم ما هسيبك، انتي روحي، ردي عليا!”

​الحاجة توحة طلعت وراه مخضوضة: “يا مراري.. البت سمعتنا يا فارس، واعية لنفسها؟” ​فارس مردش عليها، بس في اللحظة دي.. باب المندرة اتفتح، وظهرت منه ست ملامحها قـ,ـاسية وماسكة في إيدها طفل صغير. بصت لفارس وهو حاضنني، وابتسمت ببرود وقالت: ​”مش هتيجي تسلم على ابنك يا فارس؟ ولا العروسة الجديدة نستك مراتك وأم وريثك؟” ​فارس بصلها بصدمة وغضب، بس فجأة عينيه نزلت على الأرض.. شاف دم خفيف بيبدأ ينزل مني.

صرخ برعب هز المكان: “دكتـــــور.. مراتي وابني بيروحوا مني!” “ابعدي عن وشي الساعادي يا كاميليا! قسماً بعزة جلال الله، لو مراتي أو اللي في بطنها جرالهم حاجة، لادفـ.ـنك مكانك انتي واللي معاكي ومش هيهمني لا كبارات عيلة ولا غيره!” ​صرخة فارس رجت جدران القصر كله، عينيه كانت حمرا زي الدم وهو بيبص لكاميليا اللي وقفت مكانها مصدومة من رد فعله. متوقعتش أبداً إن دي تكون مقابلتها بعد السنين دي كلها.

​الحاجة توحة لطمت على صدرها وهي بتشوف الدم: “يا مراري الطافح! دكتور.. اطلبوا دكتور بسرعة يا عبده، البت هتروح مننا!” ​فارس متلفتش وراه، شالني بين إيديه وكأني روحه اللي بتنسحب منه، طلع بيا السلالم في ثواني وهو بيهمس بصوت مرعوب، صوت عمري ما سمعته من فارس الكيلاني القوي اللي مبيتهزش: “متسيبينيش يا ريم.. وحياتي عندك ما تكسري ضهري.. أنا مصدقت لقيتك، مش هسمحلك تضيعي مني.. ولا انتي ولا حتة مني اللي جواكي.”

​حطني على السرير، وكنت بين الوعي واللاوعي. شايفة طيفه وهو رايح جاي في الأوضة زي الأسد المحبوس، بيمسح على شعره بعـ,ـنف، وبيضـ,ـرب كف بكف. ​الدنيا كانت بتسحبني لتحت.. ظلام بارد بيحاوطني، بس الكلمة الوحيدة اللي كانت بتتردد في وداني زي صدى مميت: “العروسة الجديدة نستك مراتك وأم وريثك؟” ​بعد دقايق، كانت الدكتورة جوة الأوضة. فارس رفض يخرج، وقف في الزاوية، مربع إيديه، بس صدره طالع نازل بسرعة وكأنه في سباق أنفاس.

“طمنيني يا دكتورة.. مراتي مالها؟” قالها بصوت مبحوح. ​الدكتورة قلعت النضارة وبصتله بجدية: “المدام اتعرضت لصدمة عصبية شديدة، وده أدى لتقلصات قوية في الرحم وبداية نزيف.. الحمل في الشهور الأولى بيبقى حساس جداً.” فارس قلبه وقع في رجله: “يعني إيه؟ ابني راح؟” الدكتورة هزت راسها: “الحمد لله قدرنا نلحقه بإبر التثبيت، بس الحالة حرجة جداً. المدام محتاجة راحة تامة، مفيش حركة، ومفيش أي ضغط عصبي أو زعل.. أي انفعال تاني، إحنا مش بس هنخسر الجنين، إحنا ممكن نخسرها هي كمان.”

​الكلمة نزلت على فارس زي رصاصة. قفل عينيه بقوة وخد نفس عميق، وبعدين فتحهم وراح قعد على طرف السرير ومسك إيدي اللي كانت باردة زي التلج. باسها بدموع لأول مرة أشوفها بتلمع في عينه: “أنا آسف.. حقك عليا أنا.” ​فتحت عيني بضعف.. الرؤية كانت مشوشة بس ملامحه كانت واضحة. بصيتله وعيني مليانة عتاب وكسرة، وسحبت إيدي من بين إيديه ببطء. ​”ريم..” همس بيها بوجع.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى