
نظرت له بحنق، وأخرجت الحاسوب من أحد الأدراج، ثم قالت بنبرة شبه لاذعة:الشغل كله هنا راجع، وانت بقا افهم .. شغل عقل المحامي… ولا شهادتك على ما تفرج؟ رفع حاجبه مرة أخرى، وتمتم بسخرية: على ما تفرج؟! ثم حدق فيها قليلًا وقال بفضول عفوي: هو انتي برج الجوزاء ولا إيه؟ لوت فمها بحنق وهي تقول:اشمعنا يا خفيف؟! ضحك بخفة، ثم فتح الحاسوب وقال وهو يبدأ العمل:
لا… متخديش في بالك، بس باين عليكي مزاجك متقلب أكتر من الطقس!
………………………………………
أمام المدرسة، كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب، وبدأت أصوات الطلبة تتعالى، يخرجون جماعات وفرادى، كل يحمل يومه الدراسي على كتفيه. وقف سلطان بجوار سيارته، يراقب تدفق التلاميذ بأنظار حادة، ثم ألقى نظرة ضي,قة على ساعته، وزفر بضيق كأن أنفاسه تضج بالغليان. غمغم بغيظ مكبوت: اتأخرت ليه البت دي؟! لم ,يطل انتظاره، إذ اغلق باب السيارة بعن,ف خافت، وتحرك لخطواته كانت واثقة، ثابتة، يسير بها كمن يعرف طريقه جيدًا… طريقًا يق,وده إلى الانف,جار.
ولج إلى ساحة المدرسة، بين موجات الطلبة المتدفقة، وعيناه تفتشان كأنهما سيفان مسلولان يبحثان عن المعركة. ثم… توقفت قدماه فجأة. تجمد الدم في عروقه، ثم اشتعل كالجمر في لحظة خاطفة. كانت ضي تقف هناك، تبتسم ببراءة وصفاء لرجل غريب لا يعرفه، يربت على وجنتها بجرأة، فيما هي تنظر إليه بتلك الابتسامة… تلك التي لم يسبق أن نالها منها قط.
وفي لحظة، اندفع كالمارد الهائج، كأن الشياطين نفسها تطارده. سحب ضي من ذراعها بعنف صادم، وقبض على ذراع ذلك الغريب، ثم دار به دورة مفاجئة حتى انكسر العظم بصوت مرعب، صاح على إثره صراخ سامر بصرخة حادة مزقت الصمت ومزقت معها حباله الصوتية. صرخت ضي بفزع، وسقطت حقيبتها على الأرض من شدة الارتجاف. تراجعت خطوة وراء أخرى وهي ترتعد، أما سلطان فقبض على عنق سامر كأنه ينتزع منه الهواء، وهدر بصوت كالسكين: لو شفت طيفك جنبها تاني… المرة الجاية هتكون رقبتك، مش دراعك!!
جحظت عينا سامر في ذهول وألم، ثم صاح بصوت متحشرج: إنت مين يا مجرم؟! ودخلت هنا إزاي؟! دفعه سلطان بقوة فارتطم بالأرض، ثم هدر بصوته الذي ألهب المكان: أنا سلطان الهواري… اسأل عني، عشان تبعد عني. ثم التفت إلى ضي، ونظر إليها بنظرة نارية مشتعلة، قبل أن يقبض على ذراعها ويجرها خلفه بقوة، وهي تصرخ وتقاوم: سيبني يا سلطان!… انت مفيش فايدة فيك! عمرك ما هتبطل الهمجية دي! أوع بقى!
فتح باب السيارة ودفعها للداخل بعنف فيه قسوة المحب المجروح، ثم أغلق الباب خلفها بقوة جعلت السيارة ترتج. قبضت ضي على ذراع,ها، تحاول تدليكه عسى أن يعود الد,م المح,,نها من جديد. الدموع تهطل من عينيها كالمطر، ثم صاحت بتم,رد وحر,قة ضرب سلطان باب السيارة بقبضت,ه وصر,خ: بتبر,طمي؟! بتقول,ي إيه يا بت؟! قفزت بر,عب، وص,احت به,ستيريا: مبقولش… مالك,ش دعوة بيا! هز رأسه بحنق، ثم دار حول السيارة، وصعد بجوارها، وانطلق كالسهم، كأن السيارة نفسها تتحمل جنونه، تاركًا خلفه سحابة من الغبار… تشهد أن عاصفة غضب مرت من هنا، واسمها سلطان الهواري..
في الطريق، ساد الصمت إلا من شهقات ضي المتقطعة، ونحيبها المختنق، بينما سلطان يقبض على المقود كمن يحاول خنق غضبه بين كفيه. وما إن وصلا إلى المنزل، حتى فتحت ضي الباب، وركضت إلى الطابق الاول ، وطرقت على باب شقة عايده بجنون، وسلطان خلفها بخطوات مشتعلة. فتحت عايدة الباب بفزع، وما إن رأت وجه ضي حتى صاحت:ـ في إيه يا نهار إسود! ضي مالك يا بنتي؟! ارتمت ضي في حضنها، وصاحت بنحيب متقطع : الحقيني يا طنط!
لكن سلطان لم يمهلها كثيرًا، بل جذبها من بين ذراعي والدته كمن ينتزعها من العالم، وهدر بوجه عابس:
تعالي معايا… لينا شقة أربيكي فيها! حاولت ضي أن تفلت منه، تضربه، تصرخ:أوع! سيبني بقا! تشبثت بها عايدة وهي تصيح برجاء: في إيه يا سلطان؟! براحة يا ابني مش كده! أشار لها سلطان بحدة، وصوته ينطق بالحسم: عايدة… مش عايز حد يدخل ما بيني وبين مراتي… هنحل مشاكلنا لوحدنا. سحب ضي نحو المصعد، ودلف بهما إلى الداخل، بينما تقاوم وتنتحب، ويداها تضربان على صدره دون فائدة.
وقفت عايدة مذهولة، تضرب كف بكف، حين خرجت بطه من شقتها وقد بدا على ملامحها أثر النوم، وهتفت بفزع:
يا فتاح يا عليم! يا رزاق يا كريم!… على الصبح؟! في إيه يا أختي؟! أشارت لها عايدة إلى الأعلى وقالت:هيكون إيه غير سلطان وضي؟… مش عارفة عملت له إيه، جاي من بره شايط، والعفاريت راكباه! تنهدت بطه وقالت بصوت منخفض: يا خوفي نكون ظلمنا البت دي بجوازها من سلطان… ونشيل ذنبها يا أختي… دي احنا معانا ولايه يا عايدة؟
هزت عايدة” رأسها، وقالت بحنان: متقوليش كده يا بطه… الشر بره وبعيد. سلطان طيب، بس هي تفهمه وتحبه، وهيبقى زي السمن على العسل. دلفت حياة في تلك اللحظة، عائده من الخارج، وسمعت آخر جملة من عايدة فضحكت وقالت بخفة ظل:
أو زي النار على بنزين! ردت بطه بغيظ وغمغمت: تف من بقك يا اللي تنشكي! ضحكت حياة ثم بصقت تمثيليًا على الأرض وقالت: أهو يا بطوط! قهقهت عايدة، ثم سألتها برقة:ها يا غلابوية… عملتي إيه في الامتحان؟



