
رفعت حياة رأسها بابتسامة وأجابت:هندسة… إن شاء الله. هتفت بطه بدعوة صادقة: ربنا ينجحكم يا حبايبي… ويلا اتغدي عشان تذاكري المادة اللي بعدها. أومأت حياة برأسها، ودلفت إلى الداخل، تتبعها بطه وعايدة، بينما خلف الأبواب… كانت نار الحب والغضب تشتعل بلا هوادة. في الطابق العلوي… انفتح باب الشقة بعنف، ودفعت ضي إلى الداخل كأنها أسيرة تقاد إلى مصير,وها، ثم دخل سلطان خلفها وأغلق الباب بقوة جعلت الجدران نفسها ترتعد من شدته….
تراجعت ضي بخوف، ظهرها يكاد يلتصق بالجدار، وعيناها تت,سعان كأنها لا تعرف هذا الرجل الذي يقف أمامها. صر,خت بتو,تر وارتجا,ف: إنت أكيد مش طبيعي… إنت محتاج تتعالج! اقترب منها بخطوات مشتعلة، وصوته يهدر في أرجاء الشقه كالرعد: محتاج أتعالج؟! عشان بغير على مراتي؟! عشان مش قادر أستحمل حد يلمسها وأنا واقف زي الخـ… كده عادي؟! قبض على ذراعها بعنف جعلها تئن من شدته، وصاح بعينين تقدحان نارًا: لو أنا كده، يبقى طبيعي وعاجبك وعلى كيفك يا بت البدري… صح؟!
دفعها دفعة أفقدتها توازنها، ثم أكمل بصوت يغلي بغضب أعمى: لازم أسيبك تمشي على حل شعرك، وتلبسي المحزق والملزق، وكل عـ**… يقرب ويضحك، وده صاحبي وده زميلي، وده يحسس وده يطبطب، وأنا أسكت؟! عشان أعجب؟! شهقت ضي، وتجمعت الد,م,وع في عينيها المرتجفتين، وهمسة بصوت ممزق من الخذل,,والذهول: إنت شايف إني كده؟… وإني عايزة ده؟! في تلك اللحظة، كأن السك,ين التي أطلقها لسانه قد ارتدت إلى صدره.
نظر إليها، ولم ير أمامه إلا طفلة جرحت, من أقرب الناس. صوتها الم,هتز تسلل إلى قلبه كط,عنة بط,يئة. رأى وجهها الشاحب ، ودموعها العالقة، وتلك النظرة التي تشبه من رأت شبحا. كأن ما قاله قد انقض على روحه هو الآخر. تنفس بصعوبة، كأن أنفاسه ثقيلة لا تخرج إلا بانتزاع، ثم تراجع بخطوات ثقيلة كأن كل خطوة تنزع من قلبه. لم ينطق بحرف. فقط… فتح الباب، وخرج. أغلقه خلفه بعنف، لكنه بدا في تلك اللحظة أضعف من أن يغلق شيئًا… حتى على نفسه.
تجمدت ضي في مكانها، كأن برد كلماته ضرب أطرافها فشلها. عيناها تحد,ق,ان إلى الفراغ، وقلبها يرتجف. كل حرف نطقه كان كالر,صاص… أصا,تدري أكان ذلك سقوط جسد، أم سقوط كل يقينها به. حتى دموعها… تجم,دت في عي,نيها، لا تجد طريقًا تنساب فيه. في الشقة التي خ,لت إلا من صمت ثقيل… كانت خيبة ضي تبكي وحدها. …………………………………….
ف احد الكافيهات حيث يختلط صوت الموسيقى الخافتة بهمهمات الزبائن، دلف عمار بخطوات مسرعة، وعيناه تبحثان في أرجاء المكان بتوتر ظاهر….
وما إن وقعت عيناه عليها، جالسة إلى إحدى الطاولات الجانبية، حتى تسارعت أنفاسه، واتجه نحوها. اقترب منها وربت على كتفها برفق، وصوته يفيض قلقًا:
آية… في إيه يا حبيبتي؟ فزت كأنها كانت تسبح في دوامة، ثم ما لبثت أن ألقت بنفس,ها في حض,نه، وكأنها وجدت أخيرًا الشاطئ الذي يأويها…. ضمها عمار إلى صدره بقوة، كأنما يحميها من العالم، وهمسة بنش’يج مخ’تنق:عمار… وحشتني أوي. مرر يده على شعرها بحنان، وقبل جبينها بهمسة تحمل كل شوقه: وانتي وحشتيني يا قلبي… كنتي فين؟ وليه تليفونك مقفول اليومين اللي فاتوا؟
تراجعت قليلًا، ومسحت دموعها بظهر كفها المر’ةتجف، وهمسة بصوت مك’سور:اقعد… اقعد وانا هاحكيلك. جلس قبالتها، وقبض على يدها، وكأنما يستمد منها الطمأنينة، وهتف’ بقلق: قولي يا آية، ف إيه؟ انتي كويسة؟… عمي كويس؟ هزت رأسها نافية، ثم مررت يدها في شعرها المبعثر وأعادته خلف أذنه’ا، قبل أن تهم,س بنبرة مخن,وقة:
لأ… يا عمار، من آخر مرة شفتك فيها، ولما دخلت … لقيت بابا وماما قاعدين مستنيني، ووشهم كان كله غضب، قعدو يتخانقوا معايا، و… وبيطلبوا مني أقطع علا,قتي بيك.
تجمد وجه عمار، وقطب حاجبيه بده,شة مش,وبة بمرارة:
عمي؟ عايز كده؟… ده كان فرحان بخط,وبتنا… و… سكت، ثم كأن الحقيقة ل,دغ,ته في قلبه، تمتم بصوت خافت خال من الحياة:ولا… عشان كل حاجة راحت… مبقتش قد المقام؟ أومأت برأسها، ودموعها تسابق كلماتها:حبسوني… ف أوضتي، ماكنوش بيسيبوني أخرج… غير امبارح بس، لما أوهمتهم إني اقتنعت بكلامهم. ثم أمسكت بيده بكل ما بقي من رجاء بداخلها، وهتفت بانكسار:عمار… عشان خاطري، ما تسيبنيش أرجع ليهم تاني. يلا نتجوز… أنا مقدرش أعيش من غيرك.
نظر إليها، وكل الحب الذي في قلبه يظهر في عينيه، ثم مسح دموعها بأنامله، وهمس بصوت يتهدج: وأنا بحبك… أوي… ومقدرش أعيش من غيرك. بس دلوقتي… صعب يا حبيبتي. أنا أصلاً قاعد عند سلطان..
وإبراهيم وعلي معايا في شقة واحدة، ومفيش شقة أقدر أجيبها دلوقتي، وكمان… الهم اللي شايله فوق راسي. وانتي… انتي مش هتقدري تتحملي العيشة دي..و هزت رأسها بهستيرية، وصاحت بحرقة:هتحمل… والله هتحمل. دي ضي العيلة اتحملت، أنا مش هتحمل؟!
أغمض عينيه بيأس، وكأن الهم أثقل جفونه، ثم قال بصوت خافت:ضي… غص,ب عنها، أمر واقع، واتفرض عليها. لكن انتي… دي حياتك، وده اختيارك. وأنا مش عايزك تيجي يوم وتن,دمي. اقتربت منه أكثر، ووضع,ت يدها على وجنته، وبنشيج خافت تمتمت: عمري ما هند,,,م… أنا هندم لو بعدت عنك. صدقني، يا عمار… أنا ه,موت من غيرك.


