
ترددت، ثم اقتربت بتوج’س طفولي. حين’ وقفت أمامه’، أمسك بكت’ها بل’طف، وهمس:ثبتي كتفك… كده. رفع ساعده بخفة، وصفر صفرة قصيرة، ف’أطلق صوال جن’احيه بخفة، وانت’قل إلى كتفها برشاقة مذهلة. شهقت ضي، وتجمدت في مكانها، لكن سلطان اقترب منها أكثر، وضع كفه على يدها المرتجفة، وقال بابتسامة دافئة : شايفه؟ ده مابيوقفش على حد… انتي أول واحدة بعدي. همست بدهشة: بيتهيألي إني بتهز. رد بصوت خافت، وعيناه تتأملان وجهها: ولو اتهز العالم كله، طول ما أنا واقف وراكي، ماتخافيش من جناح، ولا من مخلب.
نظر إلى صقره وقال: صوال بيعرف اللي ليا… وعارف مين اللي بقت ليا. ظل صوال منتصب على كتفها، كأنه حارس من نارٍ وجليد، يرمق سلطان بعين واحدة، كأنه يترقب ما هو آت.. أما سلطان، فقد ظل يحدق في وجهها؛ في ذاك الارتباك الطفولي الذي شابه لمعة عرق، ورجفة رموش، واحمرار وجنتين. رفع يده بهدوء، ول’مس بأطراف أصابعه خصلة انف’لتت من شعرها، تأملها بش’غف يشبه الهوس ثم همس بصوت أج’ش، وك’أن صدره يضيق بكتمانه: كل مرة أقرب منك ، بح’س إني علي باب الجنه … بس لما تبصي لي كده… بفتكر أن ربنا خلقك’ من ضلعي، مش من نار.
اقترب أكثر، حتى ك’ادت أنفاس’ه تحر’ق الهواء بينهما. كانت ضي ترتج’ف، لا تعلم إن كان من الخوف، أم من صوت صوا’ل الذي ر’فرف بجناحه، أو من نظرة سلطان التي تسلل’ت تحت’ جلد’ها. رفع يدها ببطء، وق’بلها من ظاهر الكف، ثم من باطنه، ثم همس: إيديكي دي مش لي حاجه غير لشف’ايفي تبو’سهم …بحس انها بتخ’بط على أبواب ال’صبر ف قلبي كل مرة تش’اورلي بيها. ثم التفت نحو الصقر وقال بهدوء آمر: روح.
وكأن صوال فهم لغته، طار من على كتفه’ا واخ’تفى في السماء، تاركًا خلفه الصمت والارتعاش. في لحظة خاطفة، كانت ضي بين ذراعيه. شدها إليه كمن يلملم ملكا ضائعًا، وهمس عند عنقها:
ريحة رقبتك دي… ريحة الجمال ،ريحه حياه بعد موت … مش هتقدري تتخيلي قد إيه نفسي أدفن فيها روحي. قبل موضعاً صغيراً أسفل أذنها، قبلة لا تجرح… لكن تشعل. ارتعشت بين يديه، فشدها أكثر، وهمس:
خافي مني براحتك… بس ما تبعديش … عشان أنا صبري خلص … واللي زيه لما صبره يخلص بيستحل الممنوع.
ثم رفع وجهها إليه، نظراتها كانت مض’طربة، مرتج’فة، وعيناها تسبحان بين الخةوف’ والرغبة، بينما هو كان كالعاصفة… هاد’ئ في صوته، مشتعل في عينيه. همس بقرب فمها: قوليلي أبعد… وأنا أبعد. سكتت… وذاك الس’’كوت كأنه فتوى العاشقين. صمتها كان بمثابة’إذن غير منطوق… وسلطان لم يكن رجلاً يضيع فرص الإنصات ’لما تسكته الشف’اه وت’صرخ به العيون. لم يمنحها وقت’ا لتلتق’ط حتى أنفاسها، الته’م المسافة بينهما كما يلت’هم الج’ائع رغي’فه الأخير في مجاعة … قبض عل’ى وجهها بكفه، بإحكام فيه من الر’جولة ما يطمئن، وفيه من التملك ما يخيف.
وهمس عند شف’تها ال’عليا، بش’فتيه قبل صوته:’
انتي فاهمة أنا إزاي ساكت طول الوقت ده؟ فاهمة ازاي ماسك نفسي ؟! ثم افترسها. قبلة لا تحتمل المجاز، لا تعرف اللين ولا تمهل… قبلة طمست المسافة بين الخ’وف والر’غبة، بين الصد والضعف، بين أنثى تحاول أن تظل واقف’ة، ورجل اعتاد أن يأخذ ما يشت’هي بكامل الهي’بة والحنان والجنون. أطبق على شف’تيها بش’راسة ناعمة، أصاب’عه تمتد خ’ف عنق’ها، تسحب’ها إليه كأنه يغرز’ها في جسد’ه لا في ح’ضنه فقط….
أطلقت ضي أنين مكبوت، صوت لا يسمع، بل يشعر به … تشبثت بقميصه، كأنها تغرق، كأنها توشك أن تفقد نفسها، كأن روحها انفصلت للحظات. هو لم يكن يقبلها… بل كان يفرغ سنين من الكبت، من الجنون، من الانتظار، من الحب الغاضب العارم، من الرجولة المحرومة من اللمس… وكل ذلك تسرب إليها في قبلة واحدة، ما بين النار والحضن. بدأت ترتخي بين يديه، كأنها سكر’ى بلا خم’رة… تقاوم الانهي’’ار ولكن بلا طاقة، تهمس اسمه مرة كأنها تستجديه، ومرة كأنها تتوسله أن يتوقف… ومرة، كأنها تطلب المزيد دون أن تنطق.
وحين انفصل عنها أخيرًا، كانت ج’ونها نصف مغم’ضة، ووجنتا’ها ورديتان كأن د’مه انسكب فيهما، وركبتاها لا تحملانها. نظر إليها، وقلبه يدق كطبول ال’حرب… همس ببطء:
لو أنا نار… انتي قلت’يلي بع’نيكي إنك عايزه تتح’رقي. فجأة، ترنح ’جسدها نحوه… كأنها فقدت وع’يها، أو الوعي فقدها. أسرع ليح’تضنها قبل أن تهوي، رفعها بين ذراعيه كأنها قطعة من’ نبضه، وه’مس وهو يحملها إلى الداخل:
أول مرة تضعفيل’ي كده… وأول مرة أخا’ف ألمسك أكتر.
مددها برفق على فراشها، وقبل جبهتها… ثم ابتعد ببطء، وهو ينظر إليها كما لو كان يحاول إطفاء نار اندلعت في عروقه ولن ته’دأ… وهمس : هخلص اخر حاجه وارجعلك عشان نروح
اومات برأسها دون كلام وكأن صوتها خانها وانحش’ر بداخلها …
………………………………….. داخل أحد المخاز’ن التاب’عة لحنفي الرش’اش
الإضاءة خ’افتة، والهواء م’شبع برائحة البارود والرطوبة. صاح حنفي الرش,اش بجنون، صوته يزلزل جدران المخ’’زن:يا بني آدم برأس تور! أنا قل’تلك تض’رب حد؟! أنا مش قلتلك تطقس من بعيد لبعيد؟!


